![]() |
|||
هل انتهى عصر الكتاب؟\rعن القراءة بوصفها أمانًا ثقافيًا. \rواستثمارًا في بقاء المجتمع
هل انتهى عصر الكتاب؟
عن القراءة بوصفها أمانًا ثقافيًا.
واستثمارًا في بقاء المجتمع
ياسر اسماعيل
بمناسبة معرض الكتاب الذي يقام على ارض مدينة المعارض لا بد من وقفة تأمل وتحليل لواقع ما وصلنا اليه من عزوف على قراءة الكتاب
علما انه لم تكن القراءة يومًا ترفًا ثقافيًا، ولا كان الكتاب مجرد سلعة تُعرض في المعارض ثم تُنسى على الرفوف. الكتاب كان – ولا يزال – أحد أعمدة الأمان المجتمعي، ووسيلة التوثيق الأصدق لوعي الأمم، والذاكرة الأكثر صلابة في وجه النسيان والتزييف.
ومع ذلك، يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
لماذا يعزف الناس عن القراءة؟
وهل انتهى فعلًا عصر الكتاب، أم أننا نعيش تحوّلًا لم نفهمه بعد؟
أولًا: هل المشكلة في القارئ أم في البيئة؟
القول إن الناس “لم تعد تحب القراءة” تبسيط مخلّ.
الحقيقة أن القارئ نتاج بيئة، والبيئة الثقافية اليوم تعاني من:
ضغط معيشي خانق جعل القراءة آخر الأولويات.
نظام تعليمي لا يصنع قارئًا بل حافظًا مؤقتًا.
محتوى رقمي سريع يدرّب العقل على الاستهلاك لا التأمل.
غياب مشروع ثقافي واضح يربط الكتاب بالحياة اليومية.
القارئ لم يختفِ، لكنه أُرهِق، وتحوّل من باحث عن المعنى إلى مطارد للنجاة.
ثانيًا: هل انتقلنا فعلًا إلى “ما بعد الكتاب”؟
نعم… ولا.
نعم، لأن أدوات المعرفة تغيّرت:
المنصات الرقمية، الصوتيات، الذكاء الاصطناعي، والوسائط المختصرة أصبحت واقعًا لا يمكن إنكاره.
ولا، لأن الكتاب لم يكن يومًا مجرد وسيط، بل كان طريقة تفكير.
القراءة العميقة التي يصنعها الكتاب الورقي أو الرقمي الطويل هي وحدها القادرة على:
بناء رأي
تشكيل وعي
إنتاج معرفة قابلة للتراكم والتوثيق
ما نعيشه ليس نهاية عصر الكتاب، بل أزمة انتقال لم نُدِرها بذكاء.
ثالثًا: الكتاب بوصفه توثيقًا وأمانًا مجتمعيًا
في مجتمعات تعرّضت لهزات كبرى، يصبح الكتاب أكثر من ثقافة:
هو وثيقة ضد التزوير
وذاكرة في وجه المحو
ومرجع أخلاقي ومعرفي للأجيال القادمة
المجتمع الذي لا يكتب تاريخه، يتركه لغيره كي يكتبه عنه.
والمجتمع الذي لا يقرأ، يسهل قيادته بالخوف أو الوهم.
رابعًا: أين يقف رجال الأعمال من كل هذا؟
هنا السؤال الحاسم.
رجال الأعمال ليسوا ممولين محتملين للثقافة فقط، بل شركاء في استقرار المجتمع الذي يستثمرون فيه.
دعم الكتاب والكاتب ليس عملاً خيريًا، بل استثمار طويل الأمد في:
وعي السوق
استقرار البيئة الاجتماعية
بناء طبقة وسطى مثقفة قادرة على الإنتاج لا الاستهلاك فقط
خامسًا: مقترحات عملية لدور فاعل
بدل الرعاية الشكلية، يمكن لرجال الأعمال أن يساهموا عبر:
صناديق دعم النشر الجاد
تمويل كتب بحثية، توثيقية، وفكرية بعيدًا عن الربحية السريعة.
تبنّي كتّاب وباحثين
كما تُتبنّى المواهب الرياضية، عبر منح إنتاج سنوية.
ربط الشركات بالمحتوى الثقافي
مكتبات داخل المؤسسات، نوادٍ للقراءة، محتوى معرفي للموظفين.
دعم التحوّل الرقمي الذكي للكتاب
منصات قراءة عربية محترمة تحفظ حقوق الكاتب وتصل للقارئ الجديد.
تمويل الترجمة والتوثيق
لأن ما لا يُترجم ولا يُوثّق كأنه لم يكن.
وفي الختام «حين يتخلى رأس المال عن دوره في حماية الوعي، يدفع المجتمع الثمن أولًا، ثم يدفع الاقتصاد الفاتورة كاملة.»
فالاستثمار في الثقافة ليس خيارًا أخلاقيًا، بل شرط بقاء لأي اقتصاد يريد الاستمرار.»
ومن يترك الوعي بلا حماية، لا يحق له أن يشتكي من سوق بلا استقرار.
فالكتاب الذي لا يُدعَم اليوم، سيُكلّف المجتمع أضعاف ثمنه غدًا.
|
|||
| Copyright © aldabour.net - All rights reserved 2026 |